الشيخ محمد الخضري بك
158
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
حتى يؤمنوا - فجاهدوا جدا ولم يروا بدّا من الاستغاثة برسول اللّه فعاملهم عليه الصلاة والسلام بما جبل عليه من الشفقة والمرحمة ، وأرسل لثمامة أن يعيد عليهم ما كان يأتيهم من أقوات اليمامة ففعل . وقد كان لهذا الرجل الكريم الأصل ، قدم راسخة في الإسلام عقب وفاة الرسول ، حينما ارتدّ أكثر أهل بلاده ، فكان ينهى قومه عن اتّباع مسيلمة ، ويقول لهم : إيّاكم وأمرا مظلما لا نور فيه ، وإنه لشقاء كتبه اللّه على من اتّبعه ، فثبت معه كثير من قومه رضي اللّه عنه . غزوة بني لحيان بنو لحيان هم الذين قتلوا عاصم بن ثابت وإخوانه ، ولم يزل رسول اللّه حزينا عليهم متشوقا للقصاص من عدوهم حتى ربيع الأول من هذه السنة ، فأمر أصحابه بالتجهّز ، ولم يظهر لهم مقصده كما هي عادته عليه الصلاة والسلام في غالب الغزوات ، لتعمى الأخبار عن الأعداء ، وولى على المدينة ابن أم مكتوم ، وسار في مائتي راكب معهم عشرون فرسا ، ولم يزل سائرا حتى مقتل أصحاب الرجيع ، فترحّم عليهم ودعا لهم ، ولما سمع به بنو لحيان تفرّقوا في الجبال ، فأقام عليه الصلاة والسلام بديارهم يومين يبعث السرايا ، فلا يجدون أحدا ، ثم أرسل بعضا من أصحابه ليأتوا عسفان « 1 » حتى يعلم بهم أهل مكّة فيداخلهم الرعب ، فذهبوا إلى كراع الغميم « 2 » ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وهو يقول : « ايبون تائبون لربنا حامدون أعوذ باللّه من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال » « 3 » . غزوة الغابة « 4 » كان للنبي عليه الصلاة والسلام عشرون لقحة ترعى بالغابة « 5 » فأغار عليها عيينة بن حصن في أربعين راكبا واستلبها من راعيها ، فجاءت الأخبار رسول اللّه
--> ( 1 ) موضع قرب مكة . ( المؤلف ) ويسمى في زماننا مدرج عثمان وبينه وبين مكة نحو ثلاث مراحل . ( 2 ) جبل جنوب عسفان بثمانية أميال . ( المؤلف ) . ( 3 ) رواه الشيخان والنسائي . ( 4 ) لها اسم اخر هو ( غزوة ذي قرد ) . ( 5 ) موضع على بريد من المدينة جهة غطفان . ( المؤلف ) . ( واللقحة : الناقة اللبون ) .